مولانا محمد علي ( تعريب : منير بعلبكي )
36
حياة محمد ورسالته
مقتهم للوثنية ، وأعلنوا التوحيد عقيدة لهم ، ذاهبين إلى أن هذه العقيدة هي الدين الذي جاء به إبراهيم . صحيح ان هذه الحركة كانت واهنة ضعيفة ، ولكنها كانت هناك من غير ريب . إنها لم تلق بالا إلى آفات بلاد العرب الاجتماعية . ولقد كان مجرد الاقرار بوحدانية اللّه بدلا من عبادة الأصنام هي غاية غاياتها . ولكن هذه الحركة الداخلية عجزت ، مثل سابقتيها ، عن النفاذ إلى أبعد من السطح الظاهري ، تاركة المجتمع العربي شبه ممتنع على التأثر كعهده من قبل . والواقع انها كانت أوهى من أيّ من الحركتين اليهودية والنصرانية . إنه لما يلفت النظر أن تنطلق ، قبيل ظهور الرسول الكريم مباشرة ، ثلاث حركات مختلفات ، هدفت كلها إلى اصلاح بلاد العرب . وبرغم ان هذه الحركات واصلت العمل طوال قرون ، معزّزة بجميع العوامل المساعدة التي يستطيع السلطان الزمني أن يقدّمها ، فقد تلاشت كلها كما يتلاشى الدخان . ولكن ما إن تنقضي فترة حتى ينهض رجل فرد ، لا عون له ولا نصير ، وفي حال من الضعف المحض ، فيحرز في رسالته نجاحا عجيبا . وما هي غير سنوات معدودات حتى يحدث تحوّلا خيّرا لا يضارعه في تاريخ العالم أيما تحوّل خيّر . فهو لم يجتثّ دين البلاد الوضيع - الوثنية - فحسب ، بل أصلح البنية الاجتماعية كلها وحرّرها من فساد قديم العهد عميق الجذور . وكانت لليهود صلة نسب تربطهم بالعرب . فكلا الشعبين يتحدّر من أصل عرقي واحد . وكانت بين لغتيهما وأخلاقهما وعاداتهما مشابه كثيرة . ليس هذا فحسب ، بل لقد كانا كلاهما يوقّران إبراهيم ويرفعانه مقاما عليا . وكان ملك اليمن ، وهي أخصب أقاليم الجزيرة ، قد دخل في الديانة اليهودية . وهكذا ، وتبعا لكل تقدير وتخمين بشريين ، كان لهذه القوى المختلفة العاملة في مصلحة اليهودية أثر